في قاعة تعج بالمستثمرين وصناع القرار في المنتدى السعودي الأميركي، صعد إيلون ماسك إلى المنصة وقال بهدوئه المعتاد: في المستقبل القريب، سيصبح العمل اختياريا، والمال نفسه قد يفقد معناه. جملة واحدة كانت كافية لتشعل خيال العالم، وتثير قلق كثيرين يعيشون من راتب آخر الشهر إلى راتب آخر الشهر.
ماسك لا يتحدث كشخص عادي يطلق نكتة على تويتر، بل كرجل يقف في قلب العاصفة التكنولوجية: سيارات ذاتية القيادة، صواريخ تعود للهبوط، روبوتات بشرية الشكل، ومنصات ذكاء اصطناعي تتعلم بشكل مخيف السرعة. لهذا، حين يقول إن الروبوتات والذكاء الاصطناعي سيستطيعان إنتاج كل ما نحتاج إليه تقريبا، وأن البشر لن يكونوا مضطرين للعمل كما نعرفه اليوم، فالكلمات تخرج من شخص يرى المستقبل من نافذة مختلفة تماما عن النافذة التي نطل منها نحن.
ومع ذلك، كمراقب وإنسان يعيش في هذا الزمن الانتقالي، لا أستطيع أن أتعامل مع هذه الفكرة كأنها نبوءة مكتوبة على حجر. هناك مسافة طويلة بين ما تقوله منصات المؤتمرات، وبين ما تسمح به السياسة والاقتصاد والمصالح على الأرض.
إذا نظرنا إلى السنوات العشر القادمة فقط، يبدو لي أن السؤال الحقيقي ليس: هل سينتهي العمل؟ بل: أي نوع من العمل سيموت، وأي نوع سيولد مكانه؟ الوظائف الروتينية، المكتبية منها خصوصا، تقف اليوم في منطقة الخطر. كل وظيفة يمكن وصفها في خطوات واضحة، وتؤدى من خلف شاشة، ولا تحتاج إلى تعاطف إنساني حقيقي، هي الوظيفة الأولى المرشحة للاستبدال أو التقلص. مراكز الاتصال، إدخال البيانات، جزء كبير من الأعمال الإدارية البسيطة، معالجة المستندات، وحتى بعض الأعمال القانونية والمالية، بدأت بالفعل تشعر بلسعة الذكاء الاصطناعي قبل أن نصل حتى إلى عام 2030.
لكن في الجهة المقابلة، يولد نوع مختلف من المهن: من يشرف على الأنظمة الذكية، من يصمم تدفق العمل حولها، من يحول خبرة البشر إلى قواعد تفهمها الآلة، من يربط بين الروبوت في المصنع والمريض في المستشفى أو العميل على التطبيق. هذه الوظائف قد لا يكون لها اسم نهائي بعد، لكنها تشترك في شيء واحد: البشر فيها لا يتنافسون مع الآلة، بل يقفون فوقها، يوجهونها، ويقررون كيف تعمل ومع من ولمصلحة من.
وسط كل هذا، تبقى هناك فئة من الوظائف أشعر أنها ستقاوم التغيير لأطول فترة ممكنة: كل ما يحتاج إلى لمس إنساني حقيقي، كل ما يتعلق بالصحة النفسية، التعليم العميق، الإرشاد، الرعاية، وكل مساحة يكون فيها وجود الإنسان نفسه جزءا من العلاج أو من القيمة. قد نرى مساعدين آليين في المستشفيات، وربما روبوتا يساعد المعلمة في الفصل، لكن من الصعب أن يتقبل البشر عالما يستبدل فيه الذراع البشرية التي تربت على الكتف بذراع معدنية باردة، حتى لو كانت أكثر دقة.
على مستوى شخصي، أجد نفسي أميل إلى فكرة أن العمل لن يختفي، لكنه سيتحول. قد لا تحتاج أن تعمل لتعيش، لكنك ستحتاج أن تعمل لتشعر أنك حي. كثير من الناس اليوم، رغم تعب الوظيفة وضغط المواعيد، يشعرون أن جزءا من هويتهم مرتبط بما يفعلونه: منصبهم، إنجازاتهم، مساهماتهم، حتى أخطاؤهم. أن تقول للبشر فجأة: شكرا لكم، لم نعد بحاجة إليكم، عيشوا حياتكم واستمتعوا، قد يبدو ظاهريا جميلا، لكنه يحمل في داخله فراغا وجوديا مخيفا.
أما المال، فقصته أعقد من مجرد ورقة أو رقم في حساب بنكي. حين يتحدث ماسك عن عالم ما بعد الندرة، حيث تصبح السلع والخدمات الأساسية وفيرة ورخيصة للغاية بفضل الروبوتات والطاقة الرخيصة والذكاء الاصطناعي، فهو يلمح إلى أن المال قد يفقد جزءا كبيرا من دوره. إذا كان بإمكانك أن تحصل على غذائك وسكنك وعلاجك وتعليمك مجانا أو بسعر رمزي، فلن تعود بحاجة إلى مطاردة الراتب بنفس الهوس الذي نراه اليوم.
لكن المال لم يكن يوما مجرد وسيلة للبقاء. المال هو أيضا طريقة لقياس الندرة والتفضيل: وقت الأشخاص النادرين، الأماكن المميزة، التجارب الخاصة، الرمزية الاجتماعية، النفوذ، القدرة على التحكم في القرار. حتى لو أصبحت قنينة الماء مجانية في كل مكان، سيبقى هناك مكان على الطاولة لا يجلس عليه إلا القلة، وسيظل هذا المكان مرتبطا بشكل ما بنوع من أنواع “العملة”، سواء كانت مالا تقليديا، أو رصيدا رقميا، أو نقاط تأثير، أو ملكية في الآلات نفسها التي تنتج الوفرة.
لنكن صريحين: حتى لو أصبح الذكاء الاصطناعي قادرا على إدارة مصانع كاملة دون تدخل بشري، فإن السؤال الذي يحدد مصير البشرية لن يكون: ماذا تستطيع الآلات أن تفعل؟ بل: من يملك هذه الآلات؟ من يكتب القوانين التي تحكمها؟ من يقرر كيف توزع عوائدها؟ إذا بقيت ملكية الروبوتات والأنظمة الذكية محصورة في أيد قليلة، فإن وفرة الإنتاج لن تعني تلقائيا وفرة في حياة الجميع، بل ربما تعني عالما أكثر قسوة من حيث الفجوة بين من يملك ومن لا يملك.
لهذا، حين أسمع فكرة “العمل سيصبح اختياريا”، أقرأ خلفها تلقائيا أسئلة أخرى: هل سيصبح اختياريا للجميع، أم لفئة محددة تمتلك الأصول الصحيحة؟ هل سنتجه إلى نماذج مثل الدخل الأساسي الشامل، حيث يحصل كل فرد على دخل يكفيه دون عمل؟ ومن سيمول هذا؟ هل سنفرض ضرائب على إنتاجية الآلة بدلا من عرق الإنسان؟ وهل ستقبل الأنظمة الحالية بالتنازل عن جزء من امتيازاتها لصالح توزيع عادل للثروة؟
ربما نرى بعد عشر سنوات بداية إجابات عملية على هذه الأسئلة: تجارب حقيقية للدخل الأساسي، ضرائب على الشركات فائقة الأتمتة، صناديق استثمارية ضخمة تدار لصالح الشعوب لا لصالح المساهمين فقط. وربما نرى العكس تماما: تشديدا في السيطرة، وتضييقا على من يحاول الخروج من قواعد اللعبة القديمة. التاريخ يعلمنا أن كل انتقال اقتصادي كبير يمر دائما عبر منطقة اضطراب: بطالة، توترات سياسية، شعبوية، وربما صراعات على الموارد.
في وسط هذه الفوضى المحتملة، أحاول أن أتعامل مع نبوءات المستقبل بطريقة عملية قدر الإمكان. لا أستطيع أن أغمض عيني وأقول إن كل هذا الكلام مبالغ فيه، لأنني أرى تأثير الذكاء الاصطناعي اليوم في تفاصيل حياتنا، لا على شاشة سينما فقط. وفي الوقت نفسه، لا أستطيع أن أعيش على أمل أن “الروبوتات ستتكفل بكل شيء” وأنني لن أحتاج إلى تطوير نفسي أو تغيير طريقة عملي.
ربما يكون التصرف الأذكى في هذه المرحلة هو أن نعيد تعريف علاقتنا بالعمل والمال من الآن. أن نتعامل مع الذكاء الاصطناعي كزميل جديد في المكتب، لا كعدو يجب أن نحاربه ولا كمنقذ ننام في حضنه. أن نستثمر وقتنا في الأشياء التي يصعب على الآلة أن تستنسخها: طريقة تفكيرنا، قدرتنا على الربط بين عوالم مختلفة، أسلوبنا في الحكي، حساسيتنا تجاه البشر، شبكات علاقتنا الحقيقية، سمعتنا، مشروعنا الخاص مهما كان صغيرا.
في نفس الوقت، علينا أن نعترف أن الاعتماد على راتب واحد من وظيفة قابلة للاستبدال أصبح مخاطرة حقيقية. تنويع مصادر الدخل لم يعد رفاهية، بل ضرورة. امتلاك أصول، حتى لو كانت بسيطة، أو مشروع جانبي، أو مهارة نادرة، أو حضور رقمي قوي، قد يكون هو الفارق بين من يركب موجة التحول ومن يسقط تحتها.
في النهاية، ربما يكون أهم ما قاله ماسك ليس أن العمل سيصبح اختياريا أو أن المال سيفقد معناه، بل أنه يذكرنا بأن اللعبة تتغير فعلا. القواعد التي بنت عليها الأجيال السابقة حياتها المهنية والمالية لم تعد كافية. نحن ندخل زمنا جديدا، لا هو جنة الرفاهية المطلقة، ولا هو جحيم انهيار كل شيء. هو شيء ثالث، هجين، قيد التشكل أمام أعيننا.
حتى تتضح الصورة، أرى أن أفضل موقف يمكن أن نتخذه هو مزيج من الوعي والمرونة والشك الصحي. نتابع ما يحدث، نتعلم أدوات العصر، نشارك في النقاش، نرفض أن نكون مجرد “أرقام مستخدمين” في منصات لا نفهم كيف تعمل. نخطط لحياتنا المالية والمهنية على أساس أن المستقبل لن يشبه الماضي، لكننا في نفس الوقت نحتفظ بإيمان بسيط: أن الإنسان، في النهاية، ليس مجرد وظيفة ولا مجرد رصيد في البنك، بل كائن يبحث عن المعنى قبل أي شيء آخر. وإذا أحسنا استخدام هذه المرحلة، فربما نجد في زلزال الذكاء الاصطناعي فرصة لإعادة ترتيب علاقتنا بالعمل والمال والحياة نفسها، بطريقة أكثر إنسانية مما كنا نظن.