جيل يعمل كثيرًا ويكسب أقل: ماذا يحدث للاقتصاد الحقيقي؟

لم يحدث في التاريخ الحديث أن عمل الناس بهذا القدر، وبذات الوقت شعروا بهذا القدر من العجز المالي. ساعات العمل أطول، التوفر دائم، الرسائل لا تنتهي، والضغط النفسي في أعلى مستوياته، ومع ذلك… القوة الشرائية تتآكل، والادخار أصبح رفاهية، والاستقرار حلمًا مؤجلًا. هذه ليست حالة فردية ولا أزمة مؤقتة، بل ظاهرة اقتصادية عميقة تمس “الاقتصاد الحقيقي” من جذوره.

الاقتصاد الحقيقي لا يُقاس بالأرقام الضخمة في التقارير ولا بمؤشرات البورصة وحدها، بل بقدرة الإنسان العادي على العيش الكريم مقابل عمله. حين يعمل جيل كامل أكثر من الأجيال السابقة ويكسب أقل فعليًا، فهذه إشارة خلل بنيوي، لا مجرد تقلب دوري.

السبب الأول هو أن الأجور انفصلت عن الإنتاجية. العامل اليوم ينتج أكثر بفضل التقنية، لكن القيمة المضافة لا تعود إليه. تذهب إلى رأس المال، إلى المنصات، إلى الوسطاء الرقميين، وإلى كيانات ضخمة لا تشغّل بالضرورة أيدٍ عاملة بقدر ما تملك خوارزميات. النتيجة أن العمل فقد قدرته التقليدية على بناء الثروة الفردية.

السبب الثاني هو التضخم “الزاحف” لا الصادم. ليس تضخمًا يصرخ في العناوين، بل تضخمًا يسرق بصمت. السكن، التعليم، الصحة، النقل، حتى الوقت… كلها أصبحت أغلى، بينما الراتب يتحرك ببطء أو لا يتحرك أصلًا. في الحساب النهائي، الراتب الاسمي قد يزيد، لكن الراتب الحقيقي ينخفض.

ثم هناك اقتصاد الوظائف الهشة. العقود المؤقتة، العمل الحر غير المستقر، الاقتصاد القائم على الطلب، والعمل بالقطعة. هذا النمط لا يمنح أمانًا ولا يسمح بتخطيط طويل المدى. هو اقتصاد يُبقي الفرد مشغولًا دائمًا، لكنه يمنعه من التراكم. يعمل ليغطي الشهر، لا ليبني السنة.

الأخطر أن هذا الوضع يخلق مفارقة نفسية واقتصادية معًا: الناس تعمل أكثر لتقاوم الانزلاق، لا لتتقدم. ومع الوقت، يتحول العمل من أداة للترقي الاجتماعي إلى أداة للبقاء فقط. هنا يبدأ الاقتصاد الحقيقي في التآكل، لأن الاستهلاك يصبح دفاعيًا، والاستثمار الفردي يتراجع، والمخاطرة تختفي.

عندما يعجز جيل عن الادخار، يتوقف عن تأسيس أعمال جديدة. وعندما يعجز عن شراء مسكن، تتباطأ قطاعات كاملة. وعندما يشعر أن الجهد لا يُكافأ، ينخفض الدافع، وتظهر أعراض خطيرة: احتراق وظيفي، انسحاب اجتماعي، تشكك في النظام الاقتصادي نفسه.

الاقتصاد الحقيقي لا ينهار دفعة واحدة، بل يضعف تدريجيًا. تبدأ العلامات في حياة الناس اليومية قبل أن تظهر في البيانات الرسمية. تأخر الزواج، تراجع الإنجاب، تعدد الوظائف للفرد الواحد، هوس “الدخل الجانبي”، وانتشار القلق المالي حتى بين أصحاب الشهادات العالية.

نحن أمام انتقال تاريخي: من اقتصاد يكافئ العمل المستقر إلى اقتصاد يكافئ من يملك الأصول، المنصات، أو القدرة على التوسع. من يبيع وقته فقط يخسر على المدى الطويل، حتى لو كان مجتهدًا وموهوبًا.

السؤال الحقيقي ليس: لماذا يعمل هذا الجيل كثيرًا ويكسب أقل؟
بل: هل ما زال “العمل” بصيغته التقليدية قادرًا على حماية الإنسان اقتصاديًا؟

الإجابة غير المريحة هي: ليس دائمًا.

وهنا تظهر ضرورة إعادة تعريف العلاقة مع الدخل. ليس عبر الهروب من العمل، بل عبر تنويع مصادر القيمة: مهارة قابلة للتوسع، أصل رقمي، مشروع صغير، استثمار معرفي، أو حتى منصة شخصية. الاقتصاد الحقيقي القادم لن يرحم من يعتمد على مصدر واحد في عالم متعدد الصدمات.

ما يحدث اليوم ليس نهاية الاقتصاد، بل نهاية وهم قديم: أن الجهد وحده يكفي. الجيل الذي يفهم هذا مبكرًا لن يعمل أقل، لكنه سيعمل أذكى، وسيطالب بنصيب عادل من القيمة التي يخلقها.

أما من ينتظر عودة “الأيام الآمنة”، فسيكتشف أن الاقتصاد تغيّر… بينما كان مشغولًا بالعمل أكثر من اللازم.

هل تعرف ماهو Jobpocalypse ؟

هناك كلمة جديدة تتسلّل تدريجيًا إلى قاموس المستقبل: Jobpocalypse.
كلمة هجينة، تجمع بين Job (وظيفة) و Apocalypse (نهاية العالم)، لكنها لا تتحدث عن نهاية العالم حرفيًا… بل عن نهاية عالم الوظائف كما نعرفه.

هذا المصطلح لا يأتي من الخيال العلمي، ولا من رواية ديستوبية مظلمة.
إنه ابن العصر، مرآة القلق العالمي، وصرخة غير معلنة في سوق العمل الذي يتحرك بسرعة أكبر من قدرة البشر على فهمه.


ما هو الـ Jobpocalypse؟

ببساطة، هو سيناريو تتوقع فيه التقارير أن موجة الذكاء الاصطناعي والأتمتة ستؤدي إلى:

  • اختفاء ملايين الوظائف التقليدية.
  • تآكل الوظائف المبتدئة التي كانت أول سلّم للجيل الجديد.
  • انتقال الشركات إلى تشغيل أنظمة ذكية بدل موظفين.
  • تحول العمل من «ضرورة» إلى «ندرة».

والمقلق في الفكرة ليس فقط فقدان الوظائف، بل تسارعها.
التقنية لم تعد تزحف؛ إنها تركض.


لماذا ظهر المصطلح الآن؟

لأن العالم يشهد خلطة غير مسبوقة:

  1. ذكاء اصطناعي يستطيع أداء المهام المعرفية
    كتابة، تحليل، برمجة، تسويق، دعم فني، تصميم…
    هذه كانت وظائف «آمنة» نسبيًا قبل سنوات قليلة. اليوم النموذج اللغوي وحده ينجزها في ثوانٍ.
  2. روبوتات يمكنها أداء المهام الجسدية
    شحن، تنظيف، بناء، نقل، ترتيب المخازن، قيادة.
  3. شركات تقلل تكاليفها عبر الأتمتة
    ليس لأنها تكره الموظفين… بل لأن الخوارزمية تعمل 24 ساعة، بلا إجازات، بلا تأمينات، بلا رواتب.
  4. تقلص فرص الخريجين الجدد
    الوظائف التي كانت تقبل المبتدئين أصبحت تُنفَّذ تلقائيًا.
    أصبحت الشركات تطلب «خبرة» لأن الروبوت يغطي المهام الأساسية.

هذه التحولات جعلت مصطلح Jobpocalypse يقفز من الدراسات الأكاديمية… إلى السوشيال ميديا… إلى تصريحات القادة في المؤتمرات.


ليس مجرد فقدان وظائف… بل فقدان “المسار”

زمان، كان الطالب يتخرج، يدخل وظيفة بسيطة، يتطور، يرتقي.
اليوم، المسار نفسه يتفكك.
لو اختفت وظائف البداية، ستختفي معها السلالم التي يُفترض أن تتقدم عبرها.

هذا ما يجعل الفكرة مرعبة:
ليس أنك قد تفقد وظيفتك الحالية… بل أن ابنك قد لا يجد السلّم الذي يبدأ منه أصلاً.


من الأكثر عرضة للـ Jobpocalypse؟

1) الوظائف الروتينية

أي مهمة يمكن كتابتها كقائمة خطوات → ستؤتمت.

2) الوظائف التي تعتمد على تجميع المعلومات

مثل التحليل الأولي، خدمة العملاء، المساعد الإداري، إدخال البيانات.

3) الوظائف البدائية في البرمجة

كتابة أكواد بسيطة أصبحت مهمة تقوم بها النماذج بلمسة زر.

4) الوظائف ذات المهام المكررة في المصانع والمخازن

حيث الروبوتات تصبح أسرع، أدق، وأرخص.


هل Jobpocalypse حتمي؟

ليس بالضرورة.

هناك روايتان في العالم:

🔵 الرواية المتفائلة

الذكاء الاصطناعي سيقضي على الوظائف المملة والمتعبة…
ويخلق وظائف جديدة لم نتخيلها بعد.
كما حدث تاريخيًا مع الثورة الصناعية.

🔴 الرواية المتشائمة

لا يوجد وقت كافٍ لإعادة تأهيل ملايين الناس.
السرعة غير مسبوقة.
وصناعة وظائف جديدة لن تواكب حجم الوظائف التي تختفي.

والحقيقة؟
الواقع سيكون مزيجًا منهما:
لن تختفي كل الوظائف… ولن ينجو الجميع.


ما الذي سيبقى؟

وظيفتان أساسيتان فقط يبدو أنهما ستنجوان من الـ Jobpocalypse:

1) الوظائف الإنسانية

التي تتطلب تعاطفًا، حُضورًا، ثقة، ذكاءً اجتماعيًا، اتصالًا بشريًا.
مثل التعليم، التمريض، العلاج النفسي، القيادة البشرية.

2) الوظائف الإبداعية–التركيبية

التي تحتاج إلى عقل يجمع بين أفكار متعددة، ويخلق شيئًا جديدًا، له معنى… لا مجرد مخرجات.

الباقي؟
سيكون تحت تهديد دائم.


كيف ننجو من الـ Jobpocalypse؟

  1. تعلم مهارات لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أداءها بالكامل
    • الذكاء العاطفي
    • التفكير النقدي
    • الإبداع المنهجي
    • مهارات التفاوض
    • فهم الإنسان والسياق
    • استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة لا كخصم
  2. تطوير مهارات تقنية عليا
    ليس البرمجة نفسها… بل هندسة الأنظمة و إدارة الذكاء الاصطناعي و التفكير التصميمي.
  3. إنشاء مصادر دخل شخصية لا تعتمد على وظيفة تقليدية
    مشاريع صغيرة، منصات رقمية، محتوى، خدمات مستقلة، أصول رقمية، مجموعات استشارية.

**في النهاية…

هل نحن أمام “نهاية الوظائف”؟**

ربما نعم.
لكنها ليست نهاية العالم…
بل نهاية العالم الذي نعرفه.

الـ Jobpocalypse ليس كارثة قدر ما هو تحوّل جذري.
من يراه مبكرًا، ويستعد له، سيصبح من الأقلية التي تتصدر العالم الجديد.
ومن يغمض عينيه… سيستيقظ ذات صباح ليجد أن وظيفة الأمس لم تعد موجودة اليوم.

الأمر لا يتعلق بنهاية العمل…
بل ببداية عهد جديد:
عهد يعمل فيه الإنسان عندما يريد، ويبدع عندما يستطيع، ويصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من كل خطوة في حياته.

هل سنعمل من أجل المتعة فقط؟ قراءة هادئة في نبوءات إيلون ماسك عن نهاية الوظيفة والمال

في قاعة تعج بالمستثمرين وصناع القرار في المنتدى السعودي الأميركي، صعد إيلون ماسك إلى المنصة وقال بهدوئه المعتاد: في المستقبل القريب، سيصبح العمل اختياريا، والمال نفسه قد يفقد معناه. جملة واحدة كانت كافية لتشعل خيال العالم، وتثير قلق كثيرين يعيشون من راتب آخر الشهر إلى راتب آخر الشهر.

ماسك لا يتحدث كشخص عادي يطلق نكتة على تويتر، بل كرجل يقف في قلب العاصفة التكنولوجية: سيارات ذاتية القيادة، صواريخ تعود للهبوط، روبوتات بشرية الشكل، ومنصات ذكاء اصطناعي تتعلم بشكل مخيف السرعة. لهذا، حين يقول إن الروبوتات والذكاء الاصطناعي سيستطيعان إنتاج كل ما نحتاج إليه تقريبا، وأن البشر لن يكونوا مضطرين للعمل كما نعرفه اليوم، فالكلمات تخرج من شخص يرى المستقبل من نافذة مختلفة تماما عن النافذة التي نطل منها نحن.

ومع ذلك، كمراقب وإنسان يعيش في هذا الزمن الانتقالي، لا أستطيع أن أتعامل مع هذه الفكرة كأنها نبوءة مكتوبة على حجر. هناك مسافة طويلة بين ما تقوله منصات المؤتمرات، وبين ما تسمح به السياسة والاقتصاد والمصالح على الأرض.

إذا نظرنا إلى السنوات العشر القادمة فقط، يبدو لي أن السؤال الحقيقي ليس: هل سينتهي العمل؟ بل: أي نوع من العمل سيموت، وأي نوع سيولد مكانه؟ الوظائف الروتينية، المكتبية منها خصوصا، تقف اليوم في منطقة الخطر. كل وظيفة يمكن وصفها في خطوات واضحة، وتؤدى من خلف شاشة، ولا تحتاج إلى تعاطف إنساني حقيقي، هي الوظيفة الأولى المرشحة للاستبدال أو التقلص. مراكز الاتصال، إدخال البيانات، جزء كبير من الأعمال الإدارية البسيطة، معالجة المستندات، وحتى بعض الأعمال القانونية والمالية، بدأت بالفعل تشعر بلسعة الذكاء الاصطناعي قبل أن نصل حتى إلى عام 2030.

لكن في الجهة المقابلة، يولد نوع مختلف من المهن: من يشرف على الأنظمة الذكية، من يصمم تدفق العمل حولها، من يحول خبرة البشر إلى قواعد تفهمها الآلة، من يربط بين الروبوت في المصنع والمريض في المستشفى أو العميل على التطبيق. هذه الوظائف قد لا يكون لها اسم نهائي بعد، لكنها تشترك في شيء واحد: البشر فيها لا يتنافسون مع الآلة، بل يقفون فوقها، يوجهونها، ويقررون كيف تعمل ومع من ولمصلحة من.

وسط كل هذا، تبقى هناك فئة من الوظائف أشعر أنها ستقاوم التغيير لأطول فترة ممكنة: كل ما يحتاج إلى لمس إنساني حقيقي، كل ما يتعلق بالصحة النفسية، التعليم العميق، الإرشاد، الرعاية، وكل مساحة يكون فيها وجود الإنسان نفسه جزءا من العلاج أو من القيمة. قد نرى مساعدين آليين في المستشفيات، وربما روبوتا يساعد المعلمة في الفصل، لكن من الصعب أن يتقبل البشر عالما يستبدل فيه الذراع البشرية التي تربت على الكتف بذراع معدنية باردة، حتى لو كانت أكثر دقة.

على مستوى شخصي، أجد نفسي أميل إلى فكرة أن العمل لن يختفي، لكنه سيتحول. قد لا تحتاج أن تعمل لتعيش، لكنك ستحتاج أن تعمل لتشعر أنك حي. كثير من الناس اليوم، رغم تعب الوظيفة وضغط المواعيد، يشعرون أن جزءا من هويتهم مرتبط بما يفعلونه: منصبهم، إنجازاتهم، مساهماتهم، حتى أخطاؤهم. أن تقول للبشر فجأة: شكرا لكم، لم نعد بحاجة إليكم، عيشوا حياتكم واستمتعوا، قد يبدو ظاهريا جميلا، لكنه يحمل في داخله فراغا وجوديا مخيفا.

أما المال، فقصته أعقد من مجرد ورقة أو رقم في حساب بنكي. حين يتحدث ماسك عن عالم ما بعد الندرة، حيث تصبح السلع والخدمات الأساسية وفيرة ورخيصة للغاية بفضل الروبوتات والطاقة الرخيصة والذكاء الاصطناعي، فهو يلمح إلى أن المال قد يفقد جزءا كبيرا من دوره. إذا كان بإمكانك أن تحصل على غذائك وسكنك وعلاجك وتعليمك مجانا أو بسعر رمزي، فلن تعود بحاجة إلى مطاردة الراتب بنفس الهوس الذي نراه اليوم.

لكن المال لم يكن يوما مجرد وسيلة للبقاء. المال هو أيضا طريقة لقياس الندرة والتفضيل: وقت الأشخاص النادرين، الأماكن المميزة، التجارب الخاصة، الرمزية الاجتماعية، النفوذ، القدرة على التحكم في القرار. حتى لو أصبحت قنينة الماء مجانية في كل مكان، سيبقى هناك مكان على الطاولة لا يجلس عليه إلا القلة، وسيظل هذا المكان مرتبطا بشكل ما بنوع من أنواع “العملة”، سواء كانت مالا تقليديا، أو رصيدا رقميا، أو نقاط تأثير، أو ملكية في الآلات نفسها التي تنتج الوفرة.

لنكن صريحين: حتى لو أصبح الذكاء الاصطناعي قادرا على إدارة مصانع كاملة دون تدخل بشري، فإن السؤال الذي يحدد مصير البشرية لن يكون: ماذا تستطيع الآلات أن تفعل؟ بل: من يملك هذه الآلات؟ من يكتب القوانين التي تحكمها؟ من يقرر كيف توزع عوائدها؟ إذا بقيت ملكية الروبوتات والأنظمة الذكية محصورة في أيد قليلة، فإن وفرة الإنتاج لن تعني تلقائيا وفرة في حياة الجميع، بل ربما تعني عالما أكثر قسوة من حيث الفجوة بين من يملك ومن لا يملك.

لهذا، حين أسمع فكرة “العمل سيصبح اختياريا”، أقرأ خلفها تلقائيا أسئلة أخرى: هل سيصبح اختياريا للجميع، أم لفئة محددة تمتلك الأصول الصحيحة؟ هل سنتجه إلى نماذج مثل الدخل الأساسي الشامل، حيث يحصل كل فرد على دخل يكفيه دون عمل؟ ومن سيمول هذا؟ هل سنفرض ضرائب على إنتاجية الآلة بدلا من عرق الإنسان؟ وهل ستقبل الأنظمة الحالية بالتنازل عن جزء من امتيازاتها لصالح توزيع عادل للثروة؟

ربما نرى بعد عشر سنوات بداية إجابات عملية على هذه الأسئلة: تجارب حقيقية للدخل الأساسي، ضرائب على الشركات فائقة الأتمتة، صناديق استثمارية ضخمة تدار لصالح الشعوب لا لصالح المساهمين فقط. وربما نرى العكس تماما: تشديدا في السيطرة، وتضييقا على من يحاول الخروج من قواعد اللعبة القديمة. التاريخ يعلمنا أن كل انتقال اقتصادي كبير يمر دائما عبر منطقة اضطراب: بطالة، توترات سياسية، شعبوية، وربما صراعات على الموارد.

في وسط هذه الفوضى المحتملة، أحاول أن أتعامل مع نبوءات المستقبل بطريقة عملية قدر الإمكان. لا أستطيع أن أغمض عيني وأقول إن كل هذا الكلام مبالغ فيه، لأنني أرى تأثير الذكاء الاصطناعي اليوم في تفاصيل حياتنا، لا على شاشة سينما فقط. وفي الوقت نفسه، لا أستطيع أن أعيش على أمل أن “الروبوتات ستتكفل بكل شيء” وأنني لن أحتاج إلى تطوير نفسي أو تغيير طريقة عملي.

ربما يكون التصرف الأذكى في هذه المرحلة هو أن نعيد تعريف علاقتنا بالعمل والمال من الآن. أن نتعامل مع الذكاء الاصطناعي كزميل جديد في المكتب، لا كعدو يجب أن نحاربه ولا كمنقذ ننام في حضنه. أن نستثمر وقتنا في الأشياء التي يصعب على الآلة أن تستنسخها: طريقة تفكيرنا، قدرتنا على الربط بين عوالم مختلفة، أسلوبنا في الحكي، حساسيتنا تجاه البشر، شبكات علاقتنا الحقيقية، سمعتنا، مشروعنا الخاص مهما كان صغيرا.

في نفس الوقت، علينا أن نعترف أن الاعتماد على راتب واحد من وظيفة قابلة للاستبدال أصبح مخاطرة حقيقية. تنويع مصادر الدخل لم يعد رفاهية، بل ضرورة. امتلاك أصول، حتى لو كانت بسيطة، أو مشروع جانبي، أو مهارة نادرة، أو حضور رقمي قوي، قد يكون هو الفارق بين من يركب موجة التحول ومن يسقط تحتها.

في النهاية، ربما يكون أهم ما قاله ماسك ليس أن العمل سيصبح اختياريا أو أن المال سيفقد معناه، بل أنه يذكرنا بأن اللعبة تتغير فعلا. القواعد التي بنت عليها الأجيال السابقة حياتها المهنية والمالية لم تعد كافية. نحن ندخل زمنا جديدا، لا هو جنة الرفاهية المطلقة، ولا هو جحيم انهيار كل شيء. هو شيء ثالث، هجين، قيد التشكل أمام أعيننا.

حتى تتضح الصورة، أرى أن أفضل موقف يمكن أن نتخذه هو مزيج من الوعي والمرونة والشك الصحي. نتابع ما يحدث، نتعلم أدوات العصر، نشارك في النقاش، نرفض أن نكون مجرد “أرقام مستخدمين” في منصات لا نفهم كيف تعمل. نخطط لحياتنا المالية والمهنية على أساس أن المستقبل لن يشبه الماضي، لكننا في نفس الوقت نحتفظ بإيمان بسيط: أن الإنسان، في النهاية، ليس مجرد وظيفة ولا مجرد رصيد في البنك، بل كائن يبحث عن المعنى قبل أي شيء آخر. وإذا أحسنا استخدام هذه المرحلة، فربما نجد في زلزال الذكاء الاصطناعي فرصة لإعادة ترتيب علاقتنا بالعمل والمال والحياة نفسها، بطريقة أكثر إنسانية مما كنا نظن.

أهلًا بك في مساحتي البيضاء

هناك شيء مريح في صفحة بيضاء.
لا شعارات، لا إعلانات، لا زحمة ألوان… فقط كلمات تحاول أن تكون صادقة بقدر ما تستطيع.

هذه المدونة هي مكاني الشخصي على الإنترنت.
مساحة أكتب فيها كما أفكّر، بلا تكلّف كبير، وبعيدًا عن ضوضاء منصّات التواصل التي تجعل كل شيء سريعًا، متوتّرًا، وقابلًا للانزلاق بين طوفان المنشورات في ثوانٍ.


لماذا هذه المدونة؟

لأنني مثل كثيرين لديّ أفكار تتناثر بين المحادثات، وملاحظات مكتوبة في تطبيقات الملاحظات، وتجارب في الحياة والعمل أريد أن أحتفظ بها في مكان واحد:

  • لأرتّبها أولًا لنفسي
  • ثم أشاركها مع من يهمّه أن يقرأ، بهدوء، وبعدد أكبر من 280 حرفًا

ستجد هنا مزيجًا من:

  • تجربتي في ريادة الأعمال: المشاريع التي بدأت، التي نجحت، والتي تعثّرت وما تعلّمته منها.
  • ملاحظات حول العمل والحياة: كيف نقرّر؟ كيف نفشل؟ وكيف نعيد البدء من جديد؟
  • أفكار عن التقنية والمنصّات الرقمية: كيف تغيّر حياتنا؟ وكيف يمكن أن نبني شيئًا مفيدًا فعلًا لا مجرد “تطبيق جديد”؟
  • يوميات مبعثرة: مواقف صغيرة من الحياة، رحلة، فكرة خطرت في الطريق، أو شعور أردت أن أكتبه بدلًا من أن أتركه يمرّ بصمت.

ما الذي أعدك به هنا ؟

لن أعدك بمحتوى “مثالي” ولا باستمرار لا ينقطع، لكني أعدك بـ:

  • وضوح: أكتب كما أفهم، بلا مصطلحات معقّدة قدر الإمكان.
  • صدق: سأحكي عن النجاحات، لكن أيضًا عن المناطق الرمادية: التردّد، الخوف، القرارات الصعبة.
  • فائدة حقيقية قدر المستطاع: فكرة، زاوية جديدة، تجربة يمكن أن تختصر عليك طريقًا أو توقظ سؤالًا.

قد تجد تدوينات طويلة تشبه جلسة حوار هادئة، وأخرى قصيرة أشبه بملاحظة لاصقة على باب الذاكرة.

لمن أكتب؟

  • لمن يحب أن يقرأ بهدوء بعيدًا عن الضجيج.
  • لمن يعمل على مشروعه الخاص أو يفكّر أن يبدأ.
  • لمن يهمّه أن يرى “الكواليس” خلف القرارات ومحاولات البناء، لا فقط النتائج النهائية المصقولة.
  • ولنفسي قبل الجميع… لأعود بعد سنوات فأقرأ ما كنت أظنّه “نهاية العالم” وأكتشف أنه كان مجرد فصل من فصول التعلّم.

ماذا بعد؟

هذه التدوينة ليست مقالًا كبيرًا بقدر ما هي تحية أولى:
مرحبًا بك في هذه المساحة،
إن وجدت ما تراه قريبًا من قلبك وفكرك، فابقَ حول المدونة، واسمح للكلمات أن تكون رفيقًا خفيفًا في طريقك.

وأنا من جهتي سأحاول أن أكتب هنا كما لو أنني أكتب لصديق واحد مهتم حقًّا بما أقول.

مرحبًا بك مرة أخرى…
ولنبدأ.